الأخبار والنشاطات

في زاوية النسيان.. إبرة تُعيد للثوب عمره الثاني

في زاوية النسيان.. إبرة تُعيد للثوب عمره الثاني
تم النشر في 2026/09/14 10:14 54 مشاهدة

بين خطوة زائرٍ عابر وصوت باعة يتقاطعون في زقاق ضيق، كانت تجلس هناك حكاية لم يسمعها كثيرون، تُروى بصمتٍ عبر إبرة تدخل قماشاً ممزقاً وتخرج منه وقد التأم الجرح. لم تكن الحكاية عن بطلٍ أسطوري، بل عن رجلٍ بسيط افترش بساطاً صغيراً في ركن من أركان السوق القديم، يحمل بين أصابعه خيطاً وإبرة، ويعيد للثوب المتهرئ كرامته التي ظنّ صاحبه أنها ضاعت إلى الأبد. هو "الرافي"، الحرفي الذي لم يكن يصنع جديداً، بل يمنح القديم فرصة أخرى. واليوم، لم يعد من يروي هذه الحكاية سوى ابنه "حيدر" (35 عاماً)، الذي يستعيد بصوتٍ يملؤه الحنين سنوات كبر فيها وهو يراقب يدي والده دون أن يتدخل.

حرفة زاويةٍ صغيرة

يتذكر حيدر محل والده، الحاج أبو حيدر، في قيصرية قديمة قريبة من شارع العباس في كربلاء، ويصفه بأنه لم يكن يحتاج إلى أكثر من بساط صغير ومكبرة طبية وإبرة رفيعة جداً. يقول: "لم يكن والدي بحاجة إلى محلٍّ فسيح ولا واجهة زجاجية تُغري المارّة، كان يكفيه أن يجلس على بساطه، ورفوف قريبة توضع عليها الثياب بانتظار دورها." ويضيف أن بساطة الأدوات لم تكن تعني بساطة المهارة: "خيط دقيق واحد، إذا وُضع في مكانه الصحيح، كان قادراً على إخفاء تمزق كامل حتى يصعب على أي عين أن تكتشف أثره."

 الريافة كما يتذكرها الابن.. لم تكن خياطة

يفرّق حيدر، نقلاً عمّا ترسّخ في ذهنه من سنوات مراقبة والده، بين الريافة والخياطة التقليدية: "الخياطة تجميع لأجزاء القماش لصنع ثوب جديد، أما ما كان يفعله والدي فكان عملية إنقاذ لنسيج متضرر. لم يكن يضع رقعة فوق موضع القطع، بل يعيد بناء ما كان يسميه السداة واللحمة، أي خيوط الطول والعرض، باستخدام خيوط مسحوبة من الثوب نفسه." ويؤكد حيدر أن معيار نجاح والده الحقيقي كان ألا تستطيع العين المجردة تحديد مكان العيب بعد الإصلاح.

أدوات دقيقة لعمل أدق

يشرح حيدر الأدوات التي رافقت طفولته في محل والده: إبرة الريافة الفائقة الدقة التي كانت تخترق ألياف القماش دون أن تتلفها، والمكبرة والعدسات التي كانت تساعد والده على تمييز اتجاهات خيوط النسيج بدقة متناهية. ويلفت إلى تفصيل قد يبدو بسيطاً لكنه كان جوهرياً: "كان يسحب خيوطاً حيّة من الذيل الداخلي للثوب أو من الجيب، لضمان مطابقة اللون والسمك بنسبة كاملة. تعلّمت منه أن أهمية العمل تكمن في هذه التفاصيل الصغيرة التي لم يكن يلاحظها أحد غيره."

 حين كانت الريافة ضرورة لا خياراً

يستذكر حيدر حديث والده المتكرر عن زمنٍ لم تكن فيه الثياب تُشترى وتُرمى بالسهولة التي نعرفها اليوم: "كان يقول لي دائماً إن الثوب في الماضي كان يُصان لأنه يستحق ذلك، لا لأن صاحبه عاجز عن شراء غيره بالضرورة." ويضيف حيدر أن المعادلة انقلبت مع تدفق الملابس المستوردة الرخيصة، حتى صارت كلفة إصلاح القطعة الممزقة تقترب أحياناً من ثمن شراء قطعة جديدة، وهو ما دفع كثيرين إلى الاستغناء عن خدمة كانت يوماً لا غنى عنها.

 نظرة من الجيل التالي

يقول حيدر: "كبرت وأنا أرى والدي يمسك الإبرة كل يوم منذ الفجر حتى قبيل المغرب. تعلّمت أن أحترم هذا الصبر، لكنني - وبصراحة - لم أستطع أن أتعلّم المهنة نفسها. كانت تحتاج عيناً لا تتعب وأصابع لا ترتجف، وأنا اخترت مجالاً مختلفاً تماماً." ويضيف أن ما كان يلفت انتباهه أكثر من الحرفة نفسها هو علاقة الزبائن بوالده، لا بالثوب فقط: "كنت أرى أحياناً رجالاً كباراً في السن يبكون وهم يسلّمون والدي عباءة والدهم المتوفى. والدي لم يكن يتعامل مع القماش فقط، بل مع حزن الناس وذكرياتهم. هذا شيء لا يمكن تعلّمه في أي معهد، وأدركت معناه الحقيقي أكثر بعد أن غاب هو نفسه عن تلك الزاوية."

 قطع تحمل ذكرى لا تُقدَّر بثمن

يستعيد حيدر بعض القطع التي مرّت عبر يدي والده على مدى مسيرته الطويلة: عباءات رجالية من الخاجية والبهبهاني، وبدلات رسمية قديمة ذات أقمشة صوفية نادرة. لكنه يشدد على أن أكثر ما ترك أثراً فيه شخصياً كان حين يأتي زبون بثوب أو عباءة تعود لوالده المتوفى، تعرضت لحرق سيجارة أو تمزق مفاجئ: "القيمة هناك لم تكن في سعر القماش أبداً، بل في القيمة العاطفية للقطعة. كنت أشعر أن والدي في تلك اللحظات لا يرمم ثوباً، بل يعيد لصاحبه شيئاً من ذكرى غالية. واليوم، أفهم هذا الشعور من زاوية مختلفة تماماً."

 في مدينة الزوار.. حاجة لا تنقطع تماماً

يربط حيدر استمرار حاجة الناس، في ذلك الوقت، لهذه الحرفة بطبيعة كربلاء كمدينة يقصدها ملايين الزائرين على مدار العام، وتبلغ الحركة فيها ذروتها في مناسبات كعاشوراء والأربعين: "الزحام والمسير الطويل الذي يخوضه الزائرون كانا يجعلان الثياب عرضة للتمزق باستمرار، وهذا ما كان يبقي على حاجة موسمية لعمل والدي، حتى وإن تراجعت في الأيام العادية أمام منافسة الثياب الجاهزة الرخيصة."

 حرفة لم تعد قائمة

لم يعد حيدر يخفي أن مخاوفه القديمة على مستقبل مهنة والده قد تحققت بالفعل: "حاولت أكثر من مرة أن أقنع أبناء إخوتي بتعلّم المهنة، لكن لم يقتنع أحد. كان الجميع يرى أن الجلوس ساعات طويلة مقابل أجر بسيط لا يستحق العناء، في زمن أصبح فيه شراء ثوب جديد أسهل من إصلاح القديم." ويضيف أن المهنة كانت تتطلب صبراً أيوبياً وبصراً حاداً وجلوساً متواصلاً لساعات، وهو ما لم يتحمله جيل الشباب، معتبراً والده وأمثاله ممن بقوا حتى النهاية كانوا "آخر حراس" هذه الحرفة الدقيقة.

فلسفة صبر وترميم

يلخّص حيدر ما ترسّخ في وجدانه من سنوات مراقبة والده بقوله: "علّمني والدي، دون أن يقصد أحياناً، أن الريافة لم تكن مجرد تصليح للثياب، بل كانت فلسفة صبر وترميم. علّمتني كيف يمكن للإنسان أن يعيد ما انكسر أو تمزق إلى أصله، بالهدوء والدقة. هذا الدرس هو الشيء الوحيد الذي بقي معي من كل تلك السنوات."

أما زاوية والده الصغيرة في سوق كربلاء القديم، فلم يبقَ منها شيء اليوم؛ لا بساط، ولا إبرة، ولا رفوف تنتظر أثواباً ممزقة. أُغلق المكان، ولم يخلفه أحد. مع رحيل صاحبها، طويت صفحة حرفةٍ كاملة، ولم يبق منها سوى خيطٍ من الذكرى يحمله حيدر وحده، شاهداً أخيراً على مهنة اندثرت كما اندثرت من قبلها مهن كثيرة من مهن الأجداد.

موقع كربلاء الاخباري 
تقرير / حسن الهاشمي

أحدث الأخبار