يُعد كتاب (الإمام علي.. صوت العدالة الإنسانية) من أبرز المؤلفات التي تناولت شخصية الإمام علي بن أبي طالب من منظور إنساني وفكري يتجاوز الأطر الدينية التقليدية. وقد ألّفه المفكر والأديب اللبناني جورج جرداق، الذي كرس سنوات طويلة لدراسة حياة الإمام علي وفكره، ليخرج برؤية تؤكد أن هذه الشخصية التاريخية تمثل نموذجاً عالمياً للعدالة والحرية والكرامة الإنسانية.
فعندما نتأمل مسيرة الإمام علي بن أبي طالب نجد أننا أمام شخصية استثنائية جمعت بين القيادة والحكمة والشجاعة والرحمة. فقد عاش الإمام علي في مرحلة دقيقة من تاريخ الأمة الإسلامية، وتمكن من تقديم نموذج فريد للحاكم الذي جعل العدالة أساساً للحكم، والإنسان محوراً للاهتمام. ومن هنا انطلق جورج جرداق في كتابه ليبين، أن عظمة الإمام علي لا تقتصر على كونه شخصية إسلامية بارزة، بل تمتد لتشمل البعد الإنساني الذي يجعل منه رمزاً عالمياً لكل من ينشد الحق والإنصاف.
ويرى جرداق، أن العدالة كانت السمة الأبرز في شخصية الإمام علي، إذ لم يكن يفرق بين الناس على أساس النسب أو المال أو النفوذ، بل كان يقيسهم بميزان الحق والقانون. وقد انعكس هذا المبدأ في إدارته لشؤون الدولة وفي مواقفه المختلفة، حيث كان يقف إلى جانب المظلوم مهما كان انتماؤه، ويحاسب المسيء مهما كانت منزلته. ولذلك أصبح اسمه مرتبطاً بالعدالة ارتباطاً وثيقاً حتى عدّه الكثيرون أحد أعظم الشخصيات التي دافعت عن حقوق الإنسان في التاريخ.
ويتوقف الكتاب عند البعد الإنساني في فكر الإمام علي، ولا سيما نظرته إلى الإنسان بوصفه قيمة بحد ذاته. ويستشهد جرداق بقول الإمام علي في عهده إلى مالك الأشتر: «الناس صنفان، إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق»، معتبراً أن هذه العبارة تختصر فلسفة إنسانية متكاملة تقوم على احترام الإنسان بغض النظر عن معتقده أو عرقه أو مكانته الاجتماعية. وهي رؤية سبقت بكثير المبادئ التي قامت عليها المواثيق الدولية الحديثة المتعلقة بحقوق الإنسان.
كما يسلط جرداق الضوء على اهتمام الإمام علي بالفقراء والمحتاجين، إذ لم يكن ينظر إلى السلطة على أنها وسيلة للهيمنة أو تحقيق المكاسب الشخصية، بل كان يعدها مسؤولية أخلاقية تهدف إلى خدمة المجتمع وتحقيق العدالة بين أفراده. وقد نقلت المصادر التاريخية صوراً عديدة من حياته تظهر قربه من الفقراء وسعيه إلى تلبية احتياجاتهم بنفسه، الأمر الذي جعله مثالاً للحاكم الزاهد الذي قدّم مصلحة الناس على مصلحته الخاصة.
ومن الجوانب المهمة التي يناقشها الكتاب دفاع الإمام علي عن الحرية الفكرية واحترام الرأي الآخر. فقد كان يؤمن بالحوار والإقناع، ويحث على استخدام العقل في فهم القضايا المختلفة، وهو ما جعل فكره متقدماً على كثير من الأفكار السياسية والاجتماعية السائدة في عصره. لذلك يرى جرداق أن تراث الإمام علي لا يزال يحمل حلولاً ومبادئ يمكن الاستفادة منها في بناء مجتمعات أكثر عدالة واستقراراً.
ولا يكتفي الكتاب باستعراض المواقف التاريخية للإمام علي، بل يحاول استنباط الدروس والقيم التي يمكن أن تسهم في معالجة مشكلات العصر الحديث. فالعدالة التي دعا إليها الإمام، والرحمة التي تعامل بها مع الناس، واحترامه للكرامة الإنسانية، كلها مبادئ ما زالت المجتمعات بحاجة ماسة إليها في ظل ما يشهده العالم من صراعات وتفاوت اجتماعي وانتهاكات للحقوق الإنسانية.
إن قراءة كتاب (الإمام علي.. صوت العدالة الإنسانية) تكشف عن شخصية تجاوز تأثيرها حدود الزمان والمكان، وأصبحت مصدر إلهام للمفكرين والباحثين من مختلف الأديان والثقافات. وقد نجح جورج جرداق في إبراز هذا البعد العالمي من خلال دراسة عميقة ومقارنة جعلت من الإمام علي نموذجاً إنسانياً خالداً.
وفي الختام، يمكن القول إن الإمام علي بن أبي طالب يمثل مدرسة متكاملة في العدالة والأخلاق والإنسانية، وأن كتاب جورج جرداق أسهم في تقديم هذه المدرسة إلى العالم بلغة فكرية وإنسانية جامعة. ومن هنا استحق الإمام علي أن يُوصف بأنه «صوت العدالة الإنسانية»، ذلك الصوت الذي ما زال يدعو إلى الحق والمساواة واحترام الإنسان في كل عصر ومكان.
موقع كربلاء الاخباري
بقلم/ فاطمة صالح