عند الساعة الثانية من بعد منتصف الليل، كان السكون يلف أحياء كربلاء القديمة، بينما كانت أمٌ كربلائية تتحرك بهدوء داخل مطبخها الصغير، تُعد وجبة سحور بسيطة قبل ساعات من بدء يومٍ ينتظره الملايين.
وضعت الشاي على المائدة، ورتبت الخبز والتمر، ثم بدأت توقظ أبناءها بصوت خافت: “سحور.. سحور”.
فتحت ابنتها رهف عينيها بنعاس وقالت: – “هل عاد رمضان يا أمي؟”
ابتسمت الأم وهي تُعدل غطاء ابنتها: – “لا يا صغيرتي.. لكنه يوم عظيم يسمونه سيد الأيام”.
استيقظ علي وليان على وقع الحديث، وبدأ الفضول يملأ وجوههم: – “وما هذا اليوم؟ ولماذا نصوم فيه؟”
جلست الأم قربهم، وكأنها تستعيد حكاية توارثتها الأجيال: – “إنه يوم عرفة.. اليوم الذي يقف فيه الحجاج على جبل عرفات، يرفعون أيديهم بالدعاء، ويغفر الله فيه الذنوب ويعتق الرقاب من النار”.
في تلك اللحظة، لم يكن هذا البيت وحده المستيقظ، بل كانت كربلاء بأكملها تستعد ليوم استثنائي، مدينة تستقبل الزائرين بالدعاء والخدمة والمحبة.
يوم عرفة.. أعظم مشاهد الإيمان
يُعد يوم عرفة من أعظم أيام السنة في الإسلام، إذ يوافق التاسع من شهر ذي الحجة، وفيه يؤدي الحجاج الركن الأعظم من الحج بالوقوف على جبل عرفات من زوال الشمس حتى غروبها.
وفي هذا اليوم تتجه القلوب نحو السماء، وتزدحم المساجد والحسينيات بالدعاء وقراءة القرآن، فيما يحرص كثير من المسلمين على الصيام لما له من فضل عظيم.
وقال الشيخ أبو كوثر الحمداني لموقع كربلاء الإخباري: “إن يوم عرفة ليس يوماً عادياً، بل محطة إيمانية كبرى يعيش فيها المسلم حالة من التوبة والرجوع إلى الله، سواء كان حاجاً أو غير حاج”.
وأضاف: “الحجاج يقفون على جبل عرفات رافعين أكفهم بالدعاء، فيما يحيي المسلمون في مختلف المدن هذا اليوم بالصلاة والذكر والتصدق وصلة الأرحام”.
كربلاء.. مدينة تستعد قبل الفجر
وقبل ساعات من توافد الزائرين، تبدأ شوارع كربلاء بالحركة تدريجياً، عجلات البلديات تجوب الطرق الرئيسية، وفرق النظافة تعمل منذ ساعات الليل الأولى، فيما تنتشر مفارز الدفاع المدني والإسعاف على مداخل المدينة ومحيط الحرمين الشريفين.
وعند الاقتراب من مركز المدينة القديمة، تتغير المشاهد بالكامل، مواكب الخدمة تنتشر على جانبي الطرق وقد ارتفعت منها أصوات الأدعية، فيما تعبق رائحة الشاي والقهوة والطعام الشعبي في الأزقة المؤدية إلى العتبتين المقدستين.
الحاج أبو مصطفى، وهو أحد أصحاب المواكب الخدمية، يقول: “نستعد ليوم عرفة منذ أيام، لأن الزائر يأتي من مسافات بعيدة، ومن واجبنا أن نوفر له الماء والطعام ومكان الراحة”.
ويضيف: “كربلاء في هذا اليوم لا تنام، الجميع يعمل من أجل خدمة الزائر”.
الحكومة المحلية.. خطة خدمية واستنفار مبكر
ومع تزايد أعداد الوافدين إلى المدينة، أعلنت الحكومة المحلية في كربلاء حالة الاستنفار الخدمي والصحي والأمني لتأمين انسيابية الزيارة وتوفير أفضل الخدمات للزائرين.
وقال مدير إعلام بلدية كربلاء المقدسة محمد الموسوي: “المدينة شهدت انتشاراً واسعاً لآليات التنظيف وغسل الشوارع، إضافة إلى تكثيف أعمال رفع النفايات وتهيئة الطرق المؤدية إلى العتبتين المقدستين”.
وأضاف: “الدوائر الخدمية عملت أيضاً على تعزيز تجهيز المياه الصالحة للشرب، إلى جانب نشر مفارز طبية وإسعافية قرب أماكن التجمعات”.
وأوضح مراسل موقع كربلاء الإخباري خلال جولته الميدانية، أن هناك دعماً كبيراً من فرق الدفاع المدني والقوات الأمنية المنتشرة لتنظيم حركة السير داخل مركز المدينة وتهيئة مواقف خاصة بالعجلات والزائرين، فضلاً عن زيادة ساعات عمل الكوادر البلدية والخدمية.
وأضاف مراسلنا: “كوادر دائرة بلدية كربلاء والدوائر الخدمية تعمل على مدار الساعة خلال زيارة يوم عرفة، لأن نجاح الزيارة مسؤولية مشتركة بين جميع المؤسسات”.
كما كثفت القوات الأمنية انتشارها عند مداخل كربلاء والطرق الخارجية لتأمين حركة الزائرين وتنظيم دخول العجلات ومنع حالات الزخم.
الحرمين الشريفين.. قلب المشهد الروحاني
ومع ساعات النهار، تمتلئ صحن الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس (عليهما السلام) بالزائرين القادمين من مختلف المحافظات العراقية، إضافة إلى زائرين من خارج البلاد.
أصوات الدعاء تختلط بالبكاء وقراءة القرآن، فيما يفترش بعض الزائرين ساحات الحرمين للدعاء حتى غروب الشمس.
محمد علي، وهو زائر قدم من محافظة البصرة، قال: “رغم الزحام، تشعر براحة كبيرة داخل كربلاء، التنظيم والخدمات واضحان جداً، والأجواء الروحانية لا يمكن وصفها”.
وأضاف: “المدينة تتغير بالكامل في يوم عرفة، الجميع هنا يخدم الزائر بمحبة”.
أما الحاجة أم محمد القادمة من بغداد فقالت: “نأتي كل عام إلى كربلاء في يوم عرفة للدعاء وطلب الرحمة، ونشعر أن لهذه المدينة خصوصية مختلفة”.
وتابعت: “الخدمات هذا العام جيدة جداً، من النظافة إلى تنظيم السير وحتى أماكن الاستراحة”.
بين الدعاء والخدمة.. كربلاء تكتب حكاية يوم عرفة
ومع اقتراب غروب الشمس، تبدأ أصوات الدعاء بالارتفاع أكثر، فيما يحرص كثير من الزائرين على قراءة دعاء الإمام الحسين (عليه السلام) في يوم عرفة داخل الحرمين الشريفين.
وفي تلك اللحظات، تبدو كربلاء وكأنها مدينة موحدة المشاعر؛ الزائر يدعو، وصاحب الموكب يخدم، والعامل البلدي ينظف الشارع، ورجل الأمن ينظم الطريق، والمسعف يراقب سلامة الناس.
هكذا تعيش كربلاء يوم عرفة، مدينة تستيقظ قبل الفجر على صوت “سحور.. سحور”، وتبقى حتى آخر لحظة من النهار تروي حكاية الإيمان والخدمة والمحبة.
موقع كربلاء الإخباري
تقرير/ بيداء العميري

