عرفت مدينة كربلاء المقدسة منذ القدم بتأثير المنابر الحسينية والخطابة الدينية بوصفهما من أهم وسائل الاقناع ونشر العلوم والمعرفة، ومع دخول المطبعة الى المدينة، بدأت مرحلة جديدة اكثر رسوخاً في توثيق الفكر وتداول المعلومة، لتسجل بذلك منعطفاً مهماً في تاريخها الثقافي.
فقد شكل تأسيس أول مطبعة في كربلاء نقطة تحول بارزة، اذ انتقلت الكلمة من المخطوطات اليدوية الى الحروف المصطفة على ألواح الطباعة، الامرالذي أسهم في انتشار الكتب الدينية والكراسات العلمية والبيانات الاجتماعية على نطاق اوسع واسرع، لتصبح المطبعة منبراً جديداً يرفد الحركة الثقافية في المدينة التي عرفت عبر تاريخها بأنها حاضرة علم ومنبر فكري.
وللحديث عن هذا الموضوع، حاور مراسل موقع كربلاء الاخباري، المؤرخ والباحث سلمان هادي آل طعمة ومؤلف كتاب (صحافة كربلاء)، الذي اوضح ان مدينة كربلاء، بوصفها احدى المدن المقدسة في العراق، احتلت منذ القدم مكانة اجتماعية وثقافية متميزة بين بلدان العالمين الاسلامي والعربي، ما جعلها مركز اشعاع حضاري وفكري استقطب العلماء والادباء، وانجبت نخبة من المفكرين الذين تركوا اثاراً علمية وادبية خالدة في تاريخ العرب.
وأضاف آل طعمة ان المطابع في كربلاء كانت من اهم وسائل النشر التي اسهمت في تنشيط الحركة الثقافية، اذ سعت المدينة الى نشر العلوم والمعارف من خلال ادخال المطابع لخدمة اللغة العربية وطباعة المؤلفات القيمة ونشر المبادئ السامية والتعاليم الإنسانية.
وأشار الى، ان اول مطبعة في كربلاء تأسست خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتحديداً سنة 1856م (1273هـ)، وكانت مطبعة حجرية قامت في بداياتها بطباعة المطبوعات التجارية وكتب الادعية والرسائل الدينية الخاصة بادب الزيارة، ومن ابرز ما طبع فيها كتاب (مقامات الاوسي) الذي صدر سنة 1873م ويقع في نحو 131 صفحة.
وبين آل طعمة، ان كربلاء شهدت لاحقاً دخول عدد من المطابع التي أسهمت في ازدهار الحركة الثقافية، من بينها:
-مطبعة الحسيني: وهي مطبعة حجرية اسسها المرحوم محمود المظفري سنة 1328هـ في دار شمس الدولة المعروفة بـ(حسينية ربيعة)، ومن ابرز مطبوعاتها كتاب تباشير المحرورين للشيخ محمد الواعظ وديوان انوار الهدى للسيد محمد مجتهد طبرستاني.
-مطبعة الشباب: اسسها الصحفي عباس علوان الصالح سنة 1935م، ومن اهم ما طبع فيها كتاب كربلاء في التاريخ للسيد عبد الرزاق الوهاب آل طعمة، اضافة الى جريدة الغروب الكربلائية.
-مطبعة الثقافة: اسسها محسن عبد الرضا سنة 1941م، وطبع فيها عدد من اعداد جريدة الندوة الكربلائية وكتاب رسالة الاخيضر لعباس علوان الصالح.
-مطبعة الطف: اسسها ابراهيم الكتبي سنة 1941م، ومن ابرز مطبوعاتها رواية في سبيل العفة لعبد الجليل مصطفى البياتي وكتاب (تنبيه الأمة) للسيد محمد مهدي شمس الفقهاء.
-مطبعة اهل البيت: تاسست سنة 1956م باسم الحاج جاسم الكلكاوي، ومن اهم كتبها المطبوعة (منهاج الشيعة) للشيخ مرزا الحائري ودراسات ادبية في شعراء كربلاء للاستاذ غالب ناهي.
-مطبعة تموز: اسسها المحامي محسن المعمار سنة 1970م، ومن ابرز ما طبع فيها كتاب مدينة الحسين الجزء الرابع للسيد محمد حسن الكليدار آل طعمة.
-مطبعة الشمسي: انشأت سنة 1958م لصاحبتها منى مناتي فاضل، واهتمت بطباعة الكراسات الدينية والمطبوعات التجارية.
-مطبعة الرسول العربي: اسسها عدنان عبد الحسين دارنمي سنة 1986م وركزت على المطبوعات التجارية.
-مطبعة كربلاء: اسسها شاكر كريم مصطفى الكلكاوي سنة 1989م واهتمت كذلك بطباعة المطبوعات التجارية.
ومن جهته قال صاحب مطبعة ألوان الحاج حيدر الوزني عن اهم المطابع الموجودة في كربلاء في العهد الحديث، وما هي الماكينات التي دخلت الى المدينة، ان مدينة كربلاء المقدسة، وبعد التوسع العمراني والانفتاح، ولا سيما في مجال طباعة الكتب الدينية والمطبوعات التجارية الاخرى، شهدت انتشار المطابع في مختلف مناطق المحافظة، فهناك مطابع تقوم بطباعة الكتب والبوسترات والفلكسات والعلامات التجارية المختلفة، والحروف الضوئية (LED)، وكذلك الطباعة على القماش، والاختام، والبروشورات، وغيرها. كما دخلت الى المدينة مطابع حديثة تطبع بأربعة الوان، منها ماكينات الهايدلبرك والمقصات الحديثة والسي ان سي وغيرها.
واضاف الوزني، ان انتشار المطابع في كربلاء جعل العديد من المحافظات الاخرى تتجه إلى طباعة أعمالها في المدينة، لما تمتلكه من امكانيات متطورة ومطابع ذات جودة عالية.
ومن بين تلك المطابع: مطبعة التاميم، والطف، والأمير، والإمارة، وألوان، والدقة، والقبس، والاعرجي، وسيد خليل، وكلكامش، والفرات، إضافة إلى مطابع العتبتين المقدستين الحسينية والعباسية.
وهكذا شكل دخول المطابع إلى كربلاء المقدسة خطوة حضارية واقتصادية مهمة في نشر العلمية والثقافية، اذ لم تعد الكلمة حبيسة الاوراق المخطوطة وحسب، بل اخذت طريقها إلى الانتشار عبر صفحات مطبوعة تحفظ الفكر وتنقله إلى الاجيال، لتبقى تلك المطابع شاهداً عيان على مرحلة مضيئة من تاريخ المدينة.
موقع كربلاء الاخباري
تقرير: مهند العامري


