مع أولى ليالي شهر رمضان المبارك، وبعد الإفطار بساعات، يبدأ رجال وأطفال المحلة في مدينة كربلاء بالتجمع تحت أضواء المصابيح. تشكل مجموعتين متناسقتين يجلس اللاعبين على شكل أسطر متناسقة، تتشابك الأيادي، وتُحبس الأنفاس في صمتٍ ثقيل لا يقطعه سوى همس خافت ونظرات فاحصة. في يدٍ ما، يختبئ محبس صغير، لكنه يحمل فرح حي كامل ، إنها لعبة المحيبس.
والمحيبس في كربلاء ليست لعبة عابرة، بل حكاية تُروى من جيل إلى آخر، تعود مع الهلال كما تعود الذكريات، فيها دهاء الشيوخ، وحماسة الشباب، وضحكات الأطفال الذين يراقبون بشغف، كل حركة يد، وكل نظرة عين، فصل من فصول لعبةٍ صارت جزءاً لا يتجزأ من ليالي رمضان، تحفظ الود بين الناس وتوقظ روح التحدي الجميل.
وبين عبق الماضي وحداثة الحاضر، حاور مراسل موقع كربلاء الإخباري الحاج حيدر عوفي، أحد طواكيك منطقة باب الخان المخضرمين، للحديث عن لعبة المحيبس وأبرز إنجازاتها، وأهم روّادها قديماً وحديثاً.
وقال عوفي إن لعبة المحيبس تُعد من أقدم الألعاب الشعبية في كربلاء، ويعود تاريخها إلى مئات السنين، إذ نشأت في البيئات الشعبية كوسيلة للتسلية وتعزيز الروابط الاجتماعية، قبل أن تتحول مع مرور الزمن إلى طقس رمضاني ثابت لا يكاد يخلو منه حي أو محلة.
وعن تاريخ اللعبة، أوضح الحاج عوفي أن الروايات الشعبية تشير إلى ظهور لعبة المحيبس أول مرة في مدينة بغداد، ثم انتشرت تدريجياً إلى محافظات الفرات الأوسط والجنوب، مثل كربلاء والنجف الأشرف والحلة، حيث لاقت رواجاً واسعاً بسبب بساطتها واعتمادها على الذكاء وقوة الملاحظة أكثر من القوة البدنية، وكانت تُمارس قديماً في المقاهي الشعبية وساحات البيوت الواسعة، تحت ضوء الفوانيس، وسط أجواء من الألفة والتنافس الشريف.
وبين عوفي أن ارتباط اللعبة بشهر رمضان المبارك جاء نتيجة لسهر أبناء المحلة بعد تناول وجبة الإفطار، لتصبح جزءاً من لياليه، ترافقها الهوسات والأهازيج الشعبية، وكلمات مثل (طاكوك) التي يطلقها قائد الفريق أثناء البحث عن الخاتم، وغالباً ما كان الفريق الخاسر يقدم صينية من الزلابية والبقلاوة للفريق الفائز، في مشهد يعكس روح الكرم والتآخي.
ومع تعاقب الأجيال، حافظت لعبة المحيبس على مكانتها رغم تطور وسائل الترفيه الحديثة، بل تطورت هي الأخرى، فأصبحت تُنظم لها بطولات شعبية وتحظى بمتابعة جماهيرية واسعة، ما جعلها رمزاً حيّاً من رموز الهوية والتراث العراقي.
ومن أشهر وأقدم طواكيك لعبة المحيبس الذين تتناقلهم الروايات الشعبية:
- الحاج جاسم الاسود من بغداد منطقة الكاظمية، ويُعد من أوائل الطواكيك المعروفين، واشتهر بحدسه القوي وقدرته على حسم اللعبة بسرعة.
-حسن البغدادي، عرف بأسلوبه الهادئ والنفسي في كشف الخاتم، وكان يُضرب به المثل في الصبر والتركيز.
-الحاج كريم الشاكر، من الأسماء التي ارتبطت بالمنافسات الكبيرة بين محلات بغداد في منتصف القرن الماضي.
أما في كربلاء المقدسة، فقد كان لها حضور مميز في لعبة المحيبس، وبرز منها طواكيك أصبحوا جزءاً من ذاكرة ليالي رمضان، منهم:
-الحاج عبود ابو كشيدة الحميري، أحد أشهر طواكيك كربلاء، ارتبط اسمه بنداء (طاكوك) الذي يشعل حماس اللعب، وعُرف بخبرته الطويلة واحترام الخصوم له.
-الحاج فاضل الكربلائي، من الطواكيك القدامى الذين قادوا فرق محلات معروفة، وكان له دور بارز في ترسيخ اللعبة كطقس رمضاني.
-أبو عباس الحسيني، اشتهر بحضوره القوي وقدرته على قراءة تعابير اللاعبين، وكان اسمه متداولاً في المنافسات الشعبية، إلى جانب أسماء أخرى خالدة في الذاكرة.
وفي الختام، لم تكن لعبة المحيبس مجرد لعبة، بل سجلّاً اجتماعياً يوثّق ذاكرة الناس، ويؤكد أن التراث الحقيقي هو ما يبقى حاضراً في القلوب قبل الساحات.
موقع كربلاء الإخباري
تحقيق: مهند العامري


