الأخبار والنشاطات

قصر البردويل.. أثر مسيحي عريق يواجه صمت الصحراء وإهمال الزمن

قصر البردويل.. أثر مسيحي عريق يواجه صمت الصحراء وإهمال الزمن
تم النشر في 2026/08/18 09:03 108 مشاهدة

في مدينة مقدسة من العالم تملؤها المعالم والأماكن الأثرية والتي كانت في عصرها من اعظم التحف المعمارية التي صنعها البشر، توجد هنالك منطقة اثرية تبعد عن محافظة كربلاء المقدسة (80) كم، عرف بقصر (بردويل)، والذي يعود اصلهُ إلى العصر المسيحي حيث كان يسكنه ملوك العهد آنذاك. ويعتقد أن تشييده يعود إلى القرنين الخامس أو السادس الميلاديين، إلا أن تحديد تاريخه بشكل دقيق وطبيعة استخدامه يحتاج إلى مزيد من الدراسات والتنقيبات الأثرية.

موقع القصر ودوره

يقع قصر البردويل إلى الشمال من قضاء عين التمر بنحو ستة كيلومترات، وعلى ضفة بحيرة الرزازة، بالقرب من مرقد السيد احمد بن هاشم. وشيد البناء فوق مرتفع طبيعي يزيد على عشرة أمتار عن الأراضي المحيطة به، وهو موقع يوفر رؤية واسعة للمنطقة ويرجح باحثون أن الارتفاع والموقع الاستراتيجي للقصر كانا من العوامل التي جعلته مناسبا لأغراض المراقبة والحراسة والإنذار المبكر، ولا سيما مع قربه من مناطق سكنية ومواقع تاريخية مثل عين التمر وقصر شمعون وكنيسة القصير.

بناء مرتفع وتفاصيل معمارية

يبلغ ارتفاع البناء المتبقي نحو خمسة عشر مترا، وشيد باستخدام الحجر والنورة، وهما من مواد البناء التي كانت مستخدمة في تلك الحقبة.

ويشير المؤرخ الدكتور سعيد رشيد زميزم إلى، أن القصر كان بناء شامخا في زمانه، مبينا أن دراسات محلية تشير إلى أنه كان يتكون من ثلاث دورات لولبية تصعد عبر سلم بعرض يقارب مترا واحدا، فيما تضم قمته ست صوامع أو حجرات صغيرة ترتبط بممرات ضيقة، وقد بنيت وفق أسلوب معماري يعتمد العقود المدببة.

ويضيف زميزم، أن قمة البرج كانت تعلوها في فترة من الفترات قبة مجصصة باللون الأبيض قائمة على أعمدة، فيما تشير بعض الروايات إلى وجود مقبرة نصرانية في أسفل البرج تضم عددا من النواويس، تعرض بعضها للتدمير نتيجة عمليات النبش والبحث عن الكنوز.

البردويل.. ماذا تعني التسمية؟

من جانبه، يوضح باحث الآثار والمدير السابق لآثار كربلاء المقدسة حسين ياسر العبودي أن تسمية البردويل ترتبط باللغة السريانية، وتورد بعض المصادر التاريخية والأثرية تفسيرا لمعناها يشير إلى الرجل الطويل، في إشارة إلى الهيئة العمودية المرتفعة للبناء.

ويرجح العبودي، أن القلعة كانت تستخدم لأغراض عسكرية، ولا سيما المراقبة والحراسة، إلى جانب ارتباطها بالمواقع والمعالم المسيحية المنتشرة في محيطها.

ويشير إلى، أن القلعة يعتقد أنها تعود إلى القرن الخامس أو السادس الميلادي، لافتا إلى أن الباحثة البريطانية وعالمة الآثار المس بل زارت الموقع عام 1909، ووصفته في أحد كتبها وأعدت مخططات له، وأشارت إلى أنه يتكون من طابقين من الغرف الحجرية المقامة فوق أرض مرتفعة.

ويؤكد العبودي، أن عدم إجراء تنقيبات أثرية شاملة في الموقع يجعل من الصعب تحديد الفترة التاريخية بدقة وتفاصيل البناء ووظائف أجزائه بشكل نهائي.

شاهد يتراجع أمام عوامل الزمن

لم يسلم قصر البردويل من قسوة الطبيعة والإهمال، إذ تعرضت أجزاء واسعة منه للتهدم والاندثار بفعل عوامل التعرية والظروف المناخية القاسية.

ويقول العبودي، إن ما تبقى من المعلم يتمثل في أجزاء من قاعات مسقوفة بأقبية مدببة، تعكس الطراز المعماري الحيري الذي كان سائدا في تلك الحقبة، إلى جانب بقايا سور متين كان يحيط بالقلعة من عدة جهات.
ويؤكد، أن أطلال البردويل تعاني اليوم من تآكل واضح، داعيا إلى الالتفات إلى الموقع والعمل على حماية ما تبقى منه، بوصفه جزءا من تاريخ المنطقة وتراثها الحضاري.

البعد السياحي والاقتصادي

وعلى الرغم من أن قصر البردويل لا يحظى بالشهرة التي تتمتع بها المعالم الدينية والسياحية الأخرى في كربلاء المقدسة، فأنه فرصة يمكن أن تسهم في جذب السياح من خلال إدخال المواقع الأثرية القديمة ضمن برامج الزيارات والجولات السياحية، وتوثيق ما تبقى من أجزاء القصر، وتأمين الموقع وحمايته من العبث والعوامل الطبيعية، كما يمكن أن يشكل مساراً سياحياً متكاملاً يعرف الزائر بتاريخ المنطقة الممتد عبر قرون طويلة.


ذاكرة تاريخية بحاجة إلى الحماية

ويشكل قصر البردويل اليوم أكثر من مجرد أطلال متناثرة في الصحراء، فهو شاهد على مرحلة تاريخية شهدت حضارات وديانات متعددة تركت آثارها في أرض كربلاء ومحيطها.
وبينما تقف بقايا القصر في مواجهة صمت الصحراء وقسوة الزمن، تبقى الحاجة قائمة إلى مشروع علمي متخصص يعيد دراسة الموقع وتوثيقه وحمايته، قبل أن تفقد كربلاء جزءا آخر من ذاكرتها الأثرية.

وفي إطار اهتمام موقع كربلاء الإخباري بإبراز المعالم التاريخية والأثرية في المحافظة، كان  لهذا التقرير التعريف بقصر البردويل أحد الشواهد المسيحية والتاريخية التي ما زالت تنتظر مزيدا من الاهتمام والدراسة لتبقى قصته حاضرة في ذاكرة الأجيال.

موقع كربلاء الإخباري
تقرير / رغدة الدفاعي

أحدث الأخبار