في الصباحات المشمسة على الطريق العام الممتد نحو كربلاء، لم تكن الطفلة خولة قحطان، ابنِة قضاء الجبايش في محافظة ذي قار، والتي لم تتجاوز السابعة من عمرها، مجرد طفلة تُساق إلى الخدمة بطلب من أهلها؛ بل كانت تشتاق لثوبها الأسود مع إطلالة كل محرم كما يشتاق الكبار. تستيقظ بعينين ملؤهما الشغف لأسئلة لا تتوقف: "متى نذهب إلى الموكب؟"، لتسرع إلى الشارع تتنقل بين الزوار، تجبرهم بعفويتها المحببة على الأخذ من يديها الصغيرتين، بينما يتلقفها المارة بالدعوات والقبلات.
اليوم، يقف كرسي وردي في ذات نقطة الخدمة، تتربع عليه صورتها وبجوارها المناديل، لتخبر كل من يمر أن خولة التي غيبها حادث سير أليم في المكان نفسه يوم الأول من ذو الحجة لم تترك طريقها، بل تركت روحها حاضرة في كل زاوية من زوايا الموكب.
تتعدى قصة ابنِة الجبايش حدود الفقد الفاجع لرحيل طفلة بعمر الورد، لتشكل نموذجاً إنسانياً ونبضاً وجدانياً فريداً؛ كيف يُمكن للطفولة العفوية أن ترتبط بالعطاء والخدمة الحسينية حتى الغرق فيها؟ وكيف يتحول الحزن لدى الأسرة إلى طاقة وفاءٍ حية تُبقي أثر الراحلين حاضراً في ذات الشوارع التي شهدت خطواتهم، ليكون العطاء والخير امتداداً لأرواحهم بعد الرحيل.
ذاكرة الفقد والوفاء
تختزن ذاكرة عائلة خولة قصصاً ودفقات من الحنين تُشكل ملامح هذه الطفلة الاستثنائية:
روح حنينة وشغف لا يكل: بينما كان الجميع يُجهدهم التعب حرارةً وطول وقوف، كانت خولة الطفلة الوحيدة التي لا تعرف الكلل. وفي بيتها، كانت تنتظر عودة عمها من جامعته البعيدة بلهفة حارّة وحنان لا يُنسى، تاركةً أثراً لا يمحوه الغياب.
تفاعل بصري ووجداني
لم تكن خدمتها تقتصر على تقديم المناديل أو الماء، بل كانت تعيش الشعائر بقلبها الصغير؛ تتوسط مجالس العزاء المنزلية وتشارك الزائرات لطمهن، وتنشد بدموعها وصوتها التسجيلات المفضلة لديها: "تبجي رقية تريد حسين".
فاجعة الرحيل واستحضار الرمزية
في حادث سير أليم على الطريق العام بقضاء الجبايش وفي نفس نقطة خدمتها، أُسدل الستار على جسد خولة الصغير.
وفي زحمة الفاجعة ونقلها للمستشفى، غابت أقراطها الذهبية ("تراجيها") ولم يُعثر لها على أثر، تفصيلٌ مؤلم أعاد إلى أذهان عائلتها والزوار قصة السيدة رقية بنت الإمام الحسين (عليهما السلام) وما جرى لها في الشام عند انتزاع وسلب أقراطها، لتتقاطع مظلومية الطفولة التاريخية مع لوعة الفقد الحاضرة.
استمرار الأثر
تخليداً لشغفها المبكر، لم تتوقف خدمتها؛ حيث يستعد أهلها لتأسيس نقطة توزيع مياه دائمة تُحمل اسم الطفلة خولة قحطان على الشارع العام، ليبقى ماء الخدمة جارياً باسمها.
تنهمر دموع عمها وهو يتحدث عنها، مؤكداً أن خولة لم ترحل؛ فصوتها الدافئ ما زال يتردد في التسجيلات الصوتيّة، وصورتها ما زالت تحيي الزائرين على طريق كربلاء. لقد غاب جسد خولة الصغير، واختفت أقراطها لتسير على خطى ألم السيدة رقية، لكن روحها بقيت معلقةً بذات الطريق، تخبر كل السائرين أن أثر الطفولة الصادقة أطول عمراً من الغياب، وأن الوفاء لا يموت.
موقع كربلاء الاخباري
بقلم/ حسن الهاشمي


