منذ أيام، بدأت البيوت تستعد لبداية مختلفة، فالأمهات ينشغلن باختيار الزي المدرسي والحقائب التي تحمل ألوان أطفالهن المفضلة، فيما تتوزع الدفاتر والأقلام والقرطاسية بين المستلزمات التي ترافق التلميذ في أولى خطواته داخل المدرسة.
وفي أحد المنازل، كانت زهراء تتهيأ ليومها الأول في الصف الأول الابتدائي، تتفقد حقيبتها الصغيرة وتضع فيها أقلامها ودفاترها الجديدة، فيما تساعدها والدتها في ترتيب ملابسها المدرسية وتجهيز مستلزماتها.
وبين الحماس والترقب، كانت زهراء تتساءل عن معلمتها وزميلاتها، وعن الصف الذي ستجلس فيه، بينما تحاول والدتها أن تجعل من هذه البداية ذكرى جميلة لا تنسى.
المدرسة.. أول خطوة خارج البيت
ومع اقتراب انطلاق العام الدراسي الجديد 2026/2027، تتزايد استعدادات العائلات لاستقبال أبنائها في المدارس، ولا تقتصر هذه الاستعدادات على شراء الملابس والحقائب والقرطاسية، بل تمتد إلى التهيئة النفسية للطفل وتعزيز شعوره بالأمان والثقة.
فالانتقال من أجواء المنزل التي اعتاد عليها الطفل إلى بيئة مدرسية جديدة يمثل تجربة مهمة في حياته، وقد ترافقها مشاعر مختلفة بين الفرح والخوف والفضول والتردد، وهو ما يجعل دور الأسرة والكادر التربوي أساسيا في جعل هذه المرحلة أكثر سهولة وطمأنينة.
وتسهم طريقة تعامل الأهل والمعلمين مع الطفل في تشكيل صورته الأولى عن المدرسة، فكلما ارتبطت المدرسة لديه بالترحيب واللعب والتشجيع والصداقة، أصبحت بداية رحلته التعليمية أكثر إيجابية.
التربية تضع التهيئة النفسية ضمن أولوياتها
وفي إطار الاستعدادات للعام الدراسي الجديد، تعمل الكوادر التعليمية والتربوية على تهيئة الأجواء المناسبة لاستقبال الطلبة، ولا سيما تلاميذ الصف الأول الابتدائي، من خلال أساليب تربوية محفزة تساعد على تعزيز الثقة بالنفس وتشجع الأطفال على الاندماج في البيئة المدرسية.
وقال مدير عام تربية كربلاء المقدسة وميض خليل التميمي، في تصريح حول الاستعدادات والخطط الإرشادية وآليات استقبال الأطفال في عامهم الدراسي الأول، إن للمرشد التربوي دورا جوهريا خلال الأيام الأولى من الدوام، ولا سيما في كسر حاجز الخوف والقلق الناتج عن الانتقال من البيئة الأسرية إلى المدرسة.
وأشار التميمي إلى، أهمية متابعة الحالات التي تحتاج إلى توجيه خاص، والتعامل معها بأساليب تربوية حديثة، إلى جانب بناء جسور التواصل المباشر مع أولياء الأمور، بما يسهم في تسهيل عملية تأقلم الطفل مع البيئة المدرسية.
أسبوع لاستقبال الصغار
وأوضح مدير عام التربية أن المدارس تستعد لتنفيذ برامج وأنشطة إرشادية مخصصة لتهيئة التلاميذ، مع توجيه المدارس بالاهتمام بالأسبوع الأول من الدوام الرسمي، بوصفه مرحلة أساسية في تكوين الانطباع الأول لدى الطفل عن المدرسة.
وتتضمن هذه البرامج أنشطة استقبال وترحيب، وتوزيع الهدايا، وتنظيم الألعاب التفاعلية والفعاليات الفنية كالرسم والتلوين، فضلا عن تعريف التلاميذ بمرافق المدرسة من خلال جولات داخل أروقتها، بهدف مساعدتهم على التعرف إلى المكان الجديد وتعزيز شعورهم بالأمان والانتماء.
فالأسبوع الأول بالنسبة لتلميذ الصف الأول لا يتعلق بالدرس والكتاب وحدهما، بل يمثل فرصة لبناء علاقة إيجابية بين الطفل ومدرسته ومعلمته وزملائه.
من مدرسة الإبداع تبدأ الحكاية
ومن هذا المنطلق، كانت لـ"موقع كربلاء الإخباري" وقفة ميدانية للوقوف على استعدادات المدارس لاستقبال التلاميذ، ومعرفة الخطط المتبعة لتهيئة الأطفال للعام الدراسي الجديد.
كانت وقفتنا الأولى مع كادر مدرسة الإبداع في قضاء الخيرات التابع لمحافظة كربلاء المقدسة، حيث تستعد المدرسة لاستقبال تلاميذ الصف الأول الابتدائي وسط اهتمام بتهيئة الصفوف وتوفير المستلزمات الدراسية والبيئة المناسبة للأطفال.
وقالت مديرة المدرسة الست غدير إن المدرسة تستقبل أبناءها من تلاميذ الصف الأول الابتدائي هذا العام بكل فرح واهتمام، مبينة أن الاستعدادات شملت تهيئة الصفوف الدراسية وتوفير الكتب والقرطاسية ورحلات الجلوس والمستلزمات الضرورية.
وأضافت أن المدرسة تستقبل ما يقارب 200 تلميذ سنويا في المرحلة الأولى، موزعين على 5 صفوف، وبواقع يقارب 40 تلميذا في الصف الواحد.
وأوضحت، أن التعامل مع تلاميذ الصف الأول يحتاج إلى الكثير من الصبر والاهتمام، مبينة أن الكادر يعمل على كسر حاجز الخوف لدى الأطفال من خلال التشجيع والاحتواء، فضلا عن توفير أجواء تساعدهم على الاندماج تدريجيا في المدرسة.
وطمأنت الأسر بأن الكوادر التعليمية والتربوية ستكون سندا لأبنائهم خلال هذه المرحلة، مؤكدة أهمية استمرار التواصل والتعاون بين الأسرة والإدارة المدرسية، بما يسهم في تحقيق الاستقرار النفسي والتربوي.
المعلمة.. الأم الثانية
أما معلمة الصف الأول، الست هبة، فتحدثت عن الأيام الأولى التي يدخل فيها الطفل إلى المدرسة، قائلة إن بعض الأطفال قد يشعرون بالخوف أو التردد في البداية، لأن المكان جديد عليهم ويختلف عن البيئة التي اعتادوا عليها في المنزل.
وأضافت، "أحاول أن أكون أما ثانية لهم، وبمساعدة أولياء الأمور في تهيئة أطفالهم نفسيا للمدرسة والتعاون معنا، نعمل على توفير مجموعة من الأنشطة الترفيهية والتربوية التي تساعدهم على تجاوز الخوف".
وأشارت إلى أن الأنشطة تتضمن الألعاب الجماعية والفعاليات التعريفية بالمدرسة والرسم، فضلا عن الأنشطة التي تساعد الأطفال على تكوين صداقات جديدة والاندماج في البيئة المدرسية.
وبينت أن الهدف في الأيام الأولى لا يقتصر على البدء بتعليم الحروف والأرقام، بل يسبق ذلك بناء علاقة من الثقة والألفة بين التلميذ ومعلمته وزملائه، حتى يدخل الطفل إلى عالم التعلم وهو أكثر اطمئنانا واستعدادا.
الأسرة شريك في البداية
وعلى الجانب الآخر، ترى الأسر أن الاستعداد للمدرسة يبدأ من المنزل، وأن التفاصيل الصغيرة التي يحبها الطفل يمكن أن تكون وسيلة لتشجيعه على خوض تجربته الجديدة بثقة.
وقالت أم هيا، وهي أم لطفلة ستلتحق هذا العام بالصف الأول الابتدائي، إن المرحلة الدراسية الأولى تعد من أجمل بدايات العمر وأولى خطوات التعلم والثقافة وتطوير الذات والوصول إلى النجاح.
وأضافت أنها حرصت قبل بدء الدوام على تجهيز ملابس ابنتها وقرطاسيتها والأشياء التي تحبها، ولا سيما اختيار الألوان المفضلة لديها، مبينة أن هذه التفاصيل تمنح الطفل شعورا بالفرح والحماس وتشجعه على حب المدرسة وتخفف من رهبة البداية.
وأعربت عن أملها في أن تكون التجربة طبيعية وجميلة لابنتها، متمنية النجاح والتفوق لجميع الأطفال.
البداية التي تصنع الذكرى
ومع كل حقيبة مدرسية صغيرة، تبدأ حكاية جديدة؛ طفل يخطو للمرة الأولى خارج حدود البيت، ومعلمة تستقبله بمحبة، وأسرة تحاول أن تمنحه الثقة، ومدرسة تفتح أبوابها أمام أحلام ما زالت في بدايتها.
وفي هذه المرحلة، تبدو مسؤولية الأسرة والمدرسة مشتركة، فالأهل مطالبون بدعم أبنائهم وتشجيعهم على حب المدرسة والتعلم، فيما يقع على عاتق الكادر التربوي احتواؤهم ومتابعة احتياجاتهم التعليمية والنفسية والتعامل معهم بما يتناسب مع أعمارهم.
فالطفل لا يتذكر في سنواته الأولى عدد الدروس التي تلقاها بقدر ما يتذكر كيف شعر في مكانه الأول، ومن ابتسم له، ومن أمسك بيده عندما خاف.
ومن هنا، تصبح المدرسة بالنسبة لزهراء وأقرانها أكثر من صف وكتاب ودفتر، إنها أول نافذة يطل منها الطفل على عالم أوسع، وأولى خطواته نحو حلم قد يكبر معه عاما بعد آخر.
رسالة إلى الأهالي
على الأهالي أن يكونوا داعمين لأطفالهم، وأن يشجعوهم على حب المدرسة والتعلم، ويتعاونوا مع الكادر التربوي في متابعة مستواهم الدراسي والنفسي، وأن يمنحوهم الوقت الكافي للتأقلم مع هذه المرحلة الجديدة.
ولبراعمنا الصغيرة، نتمنى عاما دراسيا مليئا بالفرح والنجاح والتفوق، وأن تكون هذه الخطوة الأولى بداية جميلة لمسيرة طويلة من العلم والطموح، نحو مستقبل أكثر إشراقا.
موقع كربلاء الاخباري
تقرير/ بيداء العميري








