الأخبار والنشاطات

من ذاكرة الكتب إلى صمت الرفوف: ماذا حل بمكتبات كربلاء التاريخية؟

من ذاكرة الكتب إلى صمت الرفوف: ماذا حل بمكتبات كربلاء التاريخية؟
تم النشر في 2026/09/24 11:02 36 مشاهدة

تشهد مدينة كربلاء المقدسة في السنوات الأخيرة تحولا ثقافيا صامتا يبعث على الشجن تمثل في اختفاء العشرات من المكتبات القديمة التي كانت تزيّن أزقتها لتشكل رئة معرفية يتنفس منها الباحثون وقراء من الرعيل الأول. وفي هذا الصدد تقصى مراسل موقع كربلاء الإخباري عبر جولة ميدانية مسار هذه الظاهرة المؤلمة متتبعا أسباب غياب تلك المراكز التي طالما كانت ملاذا للنخب وميدانا للحوارات التنويرية ومساحة يتقاطع فيها شغف المعرفة مع تاريخ المدينة الفكري لترسم ملامح عصر ذهبي ينحسر اليوم أمام متغيرات الزمان.

تجربة نادرة قاومت متغيرات الزمان

تتجلى تجربة مكتبة الحكمة كشاهد حي ونادر قاوم عوامل الاندثار إذ أسسها المرحوم الأستاذ ياس خضير الربيعي عام 1994م، في دار عائلية بزقاق الحاج جواد المجبرجي المتفرع من شارع الإمام علي (ع) مختصة بالكتب الأدبية والتاريخية والدينية والفلسفية ليغدو ملتقى لأدباء المدينة وبعد رحيله عام 1996م، تسلمها شقيقه الأستاذ طه الربيعي  ونجح في إدارتها وتوسيعها لتنتقل بعد سقوط النظام الصدامي عام 2003 إلى شارع العباس بجوار أستوديو الجماهير ثم تستقر في موقعها الأخير بشارع الدخانية المعروف بزقاق عمار بن ياسر احتضنت كتبا نخبوية في الفلسفة والتاريخ واللغة والقانون والمسرح والنوادر إضافة إلى خدمة الأدب المحلي بطباعة مؤلفات الأدباء على نفقتها وإصدار مجلة صدى كربلاء التراثية ومجلة (مرافيء كربلاء الفنية)، فضلا عن كونها مقصدا للزائرين من مختلف الدول العربية وبخاصة دول الخليج يطالعون الصور الفوتوغرافية لشخصيات أدبية وسياسية وتاريخية تزين أعالي جدرانها.

يوم كان الكتاب أولوية مجتمعية

انطلقت تجارب تأسيس تلك الخزائن القديمة من شغف شخصي واقتناء مكتبات منزلية ضخمة كانت النواة لنقل المطبوعات إلى الأماكن التجارية حيث اتسعت تدريجيا لتلبي الإقبال الكبير على الكتب الدينية الممنوعة آنذاك والتي كانت توفر بطرق الاستنساخ إلى جانب كتب الروحانيات والتاريخ والروايات العالمية وقد استقطب هذا الحراك طلاب الحوزة والأكاديميين و فئات المجتمع كافة ضمن علاقة وثيقة تجسدت في إقبال العوائل بأكملها حتى الأطفال على المطالعة واكتظاظ المعارض بهم شغفا بالقراءة التي كانت تأتي في صدارة الاهتمامات.


مكتبات محلية تحتضن قُراء من مختلف دول العالم

أظهرت المتابعة الميدانية للواقع الثقافي أن المكتبات القديمة اختلفت في طبيعة دورها إذ كانت بعض المساحات الضيقة تقتصر على أصحابها بينما تحولت المساحات الواسعة كدار الفتال وغيرها إلى أندية حوارية ومناقشات عامة احتضنت شخصيات فكرية ومبدعين من داخل العراق وخارجه ومن دول كالسويد ولندن والسعودية وقطر والكويت توطدت معهم أواصر التواصل لسنوات طويلة ومع مقارنة الماضي بالحاضر يتضح كيف تراجع شغف القراءة الحالية لتصبح طقسا لثلة قليلة بعد أن هيمنت التكنولوجيا والإنترنت مقارنة بعهد كان الكتاب فيه هو المصدر الأساسي للمعرفة إلى جانب الإذاعة والتلفزيون.

أسباب ومسببات اختفاء المكتبات القديمة

لم يكن اختفاء نحو خمسين مكتبة قديمة وتجارية من مناطق كربلاء القديمة وليد عامل واحد بل نتيجة تحول اقتصادي وتقني وثقافي شامل تمثل في ظهور الإنترنت والكتب الإلكترونية الشائعة بأسعار أقل وتغير عادات القراءة وانخفاض مدتها لصالح وسائل التواصل والألعاب الإلكترونية إضافة إلى ارتفاع تكاليف التشغيل من إيجارات وكهرباء وضرائب وشحن وتفوق المتاجر الرقمية في عرض آلاف العناوين دون أعباء المقرات يضاف إلى ذلك تراجع القدرة الشرائية وضعف أساليب الترويج الحديثة ومع ذلك يؤكد المتابعون أن القراء لم يختفوا تماما بل تغيرت طرق وصولهم إلى الكتاب.

إحصاء المعالم الغائبة ودفاتر الماضي
يُحصد في سجل غياب المكتبات إغلاق معالم شهيرة كانت تنتشر في أرجاء المدينة القديمة مثل المتنبي ودار الفتال والدار الوطنية وأهل البيت والسعادة والعراق والمنتظر والخنساء والأهلية والفرات واللواء والتي ركزت على المطبوعات الدينية والتاريخية والأدبية وكتب الأدعية والزيارات وفي المقابل تبيّن أن أثر المعرفة لم ينقطع كليا إذ ما زالت الخزائن البيتية الخاصة تحتفظ بكتب نفيسة جدا ومخطوطات قيمة كما في مكتبة الأديب حسن عبد الأمير أبو دكة ومكتبة الصحفي يوسف علوان الصالح ومكتبة المرحوم محمد علي الأشيقر.

استعادة الأثر ونفائس المعارض الرسمية

وفي محاولة لترميم هذا الغياب وحفظ الذخائر من الضياع أقامت المكتبة المركزية في كربلاء المقدسة التي تأسست عام 1944م، معرضا للكتب النادرة التي مضى على طباعة بعضها أكثر من 180 سنة متضمنا 500 كتاب نادر طبعت في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين وصرح مديرها محمود الأنباري لموقع " كربلاء الاخباري" بأن المعرض يضم ذخائر تعود لعام 1843م،  وأقدمها كتاب القاموس المحيط للفيروز آبادي مشيرا إلى العمل الحثيث لتوفير مكان مخصص يتناسب مع أهميتها وإقامة ورشة صيانة متخصصة لحماية هذه النسخ التي تحتفظ بالأفكار الأولى للكتّاب دون أي تغيير أو تحديث لتبقى صرحا يوثق التاريخ الفكري المضيء للمدينة.

بين رهانات التكنولوجيا ومستقبل المعرفة

​يظل اندثار هذه الخزائن القديمة تحذيرا صحفيا يقف عنده المتابعون للشأن الثقافي في كربلاء حيث يضع الجميع أمام مسؤولية الحفاظ على هوية المدينة الفكرية ودعم أشكال النشر والتداول الحديثة لضمان ألا تتحول القراءة الورقية إلى مجرد ذكريات متحفية بل تطور أدواتها لتواكب العصر وتصل إلى أجيال القراء الجدد.
تقرير / حسن الهاشمي
موقع كربلاء الاخباري

أحدث الأخبار