الأخبار والنشاطات

بين نداء العطش وإرث الخدمة.. "سقّاء كربلاء" ذاكرة حية تُجسّد روح التكافل

بين نداء العطش وإرث الخدمة..
تم النشر في 2026/08/18 11:59 82 مشاهدة

لم تكن مهنة "السقّاء" في كربلاء المقدسة مجرد نشاط اقتصادي لتأمين المعيشة، بل شكّلت عبر تاريخها ركناً أساسياً في منظومة اجتماعية وإنسانية عميقة، ارتبطت بهوية المدينة وخدمة أهلها وزائريها، وتضاعف حضورها الروحي في المواسم الدينية وشهر رمضان المبارك.

​شهادة حية من ذاكرة الأزقة

يقول الحاج احمد حفيد الشيخ حسين أحد قدامى السقّائين في كربلاء: ​" ان الشيخ حسين كان يعمل في نقل الماء إلى منازل كربلاء وأزقتها القديمة، وهي مهنة ورثها أباً عن جد في مدينتنا، وانه كان لا يرى السقاية مجرد مصدر للرزق، بل هي أمانة وخدمة يعتز بها لربطها التاريخي والروحي بهوية كربلاء. فقد كان يحمل الماء في القِرَب الجلدية التقليدية والأواني النحاسية لأنها تحفظ برودة الماء وعذوبته في صيف العراق القاسي، ورغم التطور العمراني وشبكات المياه الحديثة، لا يزال للأهالي والزائرين تعلق بهذه الطريقة، خصوصاً في الأزقة الضيقة التي يصعب على وسائل النقل دخولها، أو أثناء مواسم الزيارات المليونية. والتعب والمشقة يزولان بمجرد رؤية دعوة خير من كبير في السن أو نظرة امتنان من طفل يرتوي؛ فهذه المهنة تمثل بالنسبة له جزءاً من تراث المدينة الحي وذاكرتها الممتدة."

​أمانة المهنة وروافد الخدمة

تُبرز هذه الشهادة الحية الدور التاريخي لـ "السقّائين" (أو "الملّائين")؛ فقد أخذوا على عاتقهم مهمة نقل المياه من الأنهار والخزانات إلى المنازل والمساجد وأسبلة الشرب، معتمدين على أجر بسيط، بينما كان الحافز الأكبر دافعاً دينياً لإحياء ذكرى عطش الإمام الحسين (عليه السلام)، وقد فرض العُرف الصارم نظافة القِرَب أو "التنك" وسلامتها من الثقوب أو أي مواد تؤثر في صفاء الماء.

​"خان الباشا".. معقل الذاكرة وشاهد الخدمة

ولم تكن المهنة بلا مركز إدارة ومأوى؛ إذ شُهد بمقر معروف للسقّائين يقع في منطقة "باب القبلة" بالقرب من شارع الجمهورية، وتحديداً في "خان الباشا". هذا الخان، الذي شُيّد في القرن الثامن عشر الميلادي لاستقبال زوار الإمام الحسين (عليه السلام)، احتضن السقّائين الذين اعتادوا خزن المياه صيفاً وشتاءً داخل "كيزان" خزفية، إلى جانب استضافة الغرف الملحقة به للزائرين والفقراء في مواسم الزيارات المليونية.

​روح التكافل والمبادرة المجتمعية

تجاوز دور السقّائين حدود نقل الماء إلى المشاركة المجتمعية الفاعلة؛ فكانوا أول المهرعين لإخماد الحرائق حال اندلاعها في أحياء المدينة، فضلاً عن رش الأسواق والأزقة بالماء لتلطيف الأجواء في أيام الصيف القائظ، تقديم الشرب مجاناً لعابري السبيل.

وتضاعفت أبعاد هذه المهنة خلال شهر رمضان المبارك بزيادة الطلب على المياه في المساجد وأماكن التجمعات، وفي المقابل كان "أهل الخير" يتسابقون لدعم السقّائين ومكافأتهم بالطعام في الأعياد والأفراح، أو كسوتهم بثياب جديدة. كما حرص السقّاؤون على إدامة ملء أسبلة الشرب العامة من الخزانات المعدنية والنحاسية باستمرار لخدمة الزوار والمسافرين، في مشهد جسّد أبهى صور التكافل والخدمة.

​ومع تطور شبكات المياه الحديثة وغياب السقّائين التدريجي عن المشهد اليومي، تظل هذه المسيرة رمزاً حافلاً بالتضحية والخدمة في وجدان المدينة؛ وفي هذا الإطار، يُذكر أن موسوعة كربلاء الحضارية الصادرة عن مركز كربلاء للدراسات والبحوث قد وثقت هذه المهنة ودورها التاريخي والإنساني في حفظ ذاكرة كربلاء وتراثها الحي.

موقع كربلاء الاخباري تقرير/ حسن الهاشمي