خرجت ليان، كعادتها، إلى بيت عمّها القريب من منزلها، لتفاجأ هذه المرة بوجود ركن رمضاني مزدان بالزينة في زاوية صغيرة من البيت. توقفت متأملة ما فيه من فوانيس وألوان وضوء خافت، وتساؤلاتها تتزاحم في ذهنها: ما هذه الزينة؟ وما سر هذه الفوانيس؟ ولماذا خُصّص هذا المكان؟
اقتربت من عمّها وسألته عن ذلك، فابتسم قائلاً:
"هذا مكان خاص بالعبادة في شهر رمضان، فيه خلوة الإنسان مع ربّه، وروحانية تختلف عن بقية أيام السنة. هو ركن نقترب فيه من الله أكثر، بالصلاة والقرآن والدعاء."
وأضاف أن شهر رمضان هو من أعظم الشهور عند الله، فيه قدسية خاصة، وفيه ليلة القدر التي جعل الله العبادة فيها خيراً من ألف شهر، وفيه عتق الرقاب من النار. وختم حديثه قائلاً:
"إن الروح الإنسانية تبحث دائماً عن الجمال، والله جميل يحب الجمال، ولذلك نُزيّن هذا الركن ليكون جمال المكان طريقاً إلى صفاء الروح."
مع حلول شهر رمضان المبارك، يحرص الكربلائيون على إضفاء أجواء إيمانية خاصة داخل منازلهم، من خلال تخصيص ما يُعرف بـ"الركن الرمضاني"، الذي يجسد روح الشهر الفضيل ويعكس القيم الدينية والاجتماعية المتوارثة عبر الأجيال. وهو مساحة بسيطة في أحد أركان المنزل، تُزيَّن بلمسات تعبّر عن قدسية الشهر، حيث تجتمع فيها مظاهر العبادة من صلاة وذكر وقراءة للقرآن الكريم، إلى جانب الزينة التراثية التي تمنح المكان طابعاً روحانياً مميزاً.
سلّط موقع كربلاء الإخباري الضوء على هذه الظاهرة الاجتماعية، وكانت وقفتنا الأولى مع المواطنة أم هيا التي تحدثت عن عاداتها في إعداد الركن الرمضاني، قائلة:
"في كل عام ومع حلول شهر رمضان المبارك، أحرص على تجهيز ركن خاص في المنزل، وأعدّ هذه الطقوس من الروحانيات الجميلة التي تمنح البيت بركة وطمأنينة. تعلمت من والدتي أن أخصص زاوية للعبادة والصلاة والدعاء. ويضم ركـني اليوم مسنداً للمصحف الشريف، وسجادة صلاة، ومسبحة، إضافة إلى بعض زينة رمضان كالفوانيس والإضاءة الخافتة، وسلّة صغيرة للتمر. هذه الأشياء تمنحني طاقة روحية وشعوراً مختلفاً بقدوم الشهر الفضيل، ومعظم هذه المستلزمات أشتريها من سوق الدهان في كربلاء المقدسة."
من جانبه، قال أبو أحمد، أحد الباعة في سوق الدهان:
"مع اقتراب شهر رمضان يبدأ الإقبال على شراء الزينة الرمضانية، مثل الهلال والفوانيس والأواني الخاصة بالشهر الفضيل والإضاءات والزخارف المختلفة، وجميعها تُعرض بأسعار رمزية تناسب الجميع. أعمل في هذا المجال منذ خمسة عشر عاماً، وقد ورثت هذه المهنة عن والدي وأعمامي الذين كانوا من الباعة المعروفين في السوق، وهي تقاليد تجارية واجتماعية متوارثة منذ أجيال."
بدورها، أوضحت المواطنة أم عباس:
"عند حلول شهر رمضان أبدأ بترتيب ركن خاص في المنزل، أضع فيه سجادة الصلاة والمسبحة وبعض الزينة الرمضانية. يتم تخصيص هذه الزاوية للعبادة وقراءة القرآن الكريم، وتزيينها بالفوانيس والإضاءة الدافئة والمفارش الشرقية، بهدف خلق جو من السكينة والطمأنينة داخل البيت، وتنشئة الأطفال على عادات الشهر الكريم، مع التأكيد على البساطة والابتعاد عن الإسراف."
رأي مختص
وقالت الدكتورة فاطمة ذياب، خبيرة الإرشاد الأسري، إن العادات الرمضانية تتجلى بوضوح في أجواء كربلاء التي يكثر فيها الذكر وإحياء المجالس الدينية، مؤكدة ضرورة تعظيم البعد الروحي للشهر الفضيل، من خلال حرص الآباء على اصطحاب أبنائهم إلى المساجد والحسينيات، وتعليمهم آداب الصيام، التي لا تقتصر على الامتناع عن الطعام والشراب فحسب، بل تشمل ضبط اللسان والسلوك، وربط الصيام بالقيم الحسينية كالصبر والتضحية والإخلاص.
وأضافت ذياب أن مائدة الإفطار تمثل مدرسة تربوية يومية، إذ يسهم اجتماع الأسرة حولها في تعزيز الحوار الأسري، والتربية على الصبر من خلال انتظار أذان المغرب وأداء الصلاة، فضلاً عن تعليم الأبناء عدم الإسراف، ومشاركة الطعام، وغرس قيمة العطاء دون مقابل. كما دعت إلى تشجيع الأطفال على وضع أهداف رمضانية، مثل ختم القرآن، والمواظبة على الذكر، والتحلي بالأخلاق الحسنة، مؤكدة أن شهر رمضان يشكل برنامجاً تربوياً متكاملاً يربي النفس، ويقوّي الأسرة، ويعزز الهوية الدينية والأخلاقية.
وختاماً، يبقى الركن الرمضاني في البيت العراقي صورة مصغّرة لروح الأسرة، حيث تمتزج العبادة بالعادات الأصيلة، ليكون رمزاً للتقارب الأسري والتذكير اليومي بفضل الشهر الكريم، فهو يجمع بين العبادة والتأمل، ويعزز روح التكافل والتراحم داخل الأسرة والمجتمع، والحب والتسامح وصلة الرحم، لتتحول زوايا المنازل إلى مساحات نور وطمأنينة تعكس إيمان أهلها وحبهم لهذا الشهر الفضيل.
موقع كربلاء الإخباري
تقرير: بيداء العميري

