تُعدّ الحمّامات القديمة في مدينة كربلاء المقدسة من المعالم التراثية المهمة التي عكست جانبًا حيًّا من الحياة الاجتماعية والثقافية لسكان المدينة وزائريها عبر الزمان. ولم تكن هذه الحمّامات مجرّد مرافق للنظافة، بل شكّلت فضاءات اجتماعية وإنسانية ذات طابع خاص، ارتبطت بالعادات والتقاليد اليومية.
وبخصوص نشأة الحمامات في كربلاء فانها تعود إلى العصور الإسلامية المتعاقبة، لاسيما العهدين العباسي والعثماني، حيث شهدت المدينة توسعًا عمرانيًا متزامنًا مع ازدياد أعداد الزائرين القادمين لزيارة مرقدي الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس (عليهما السلام)، وقد أنشئت هذه الحمّامات قرب المرقدين الشريفين، والأسواق والأحياء السكنية في القديمة وحولها، لتكون في متناول اهالي كربلاء والزائرين الكرام.
وبين النشأة والتطور والطراز المعماري للحمّامات قال الدكتور حيدر ناجي تدريسي في جامعة كربلاء لموقع كربلاء الإخباري، "إن الحمّامات القديمة في مدينة كربلاء المقدسة تُعدّ من الشواهد العمرانية المهمة التي رافقت نشأة المدينة وتوسعها عبر العصور الإسلامية، لاسيما مع ازدياد أعداد الزائرين. وقد صُمّمت هذه الحمّامات وفق أسس معمارية مدروسة تراعي الخصوصية وتوفّر درجات حرارة مناسبة، من خلال تقسيمها إلى أقسام متدرجة واستخدام القباب والأقواس والمواد المحلية كالطابوق والجص، كما شهدت هذه الحمّامات تطورًا تدريجيًا في أساليب البناء وأنظمة تسخين المياه، بما ينسجم مع متطلبات الحياة الاجتماعية والدينية في كربلاء، ما جعلها تؤدي دورًا يتجاوز الجانب الخدمي ليصل إلى البعد الاجتماعي والثقافي".
واضاف ناجي، "ان الحمامات كانت تضم في الماضي أكثر من 21 حمّامًا شعبيًا منتشرة في أحيائها وأسواقها، منها حمّام المالح، وحمّام ركن الدولة، وحمّام البغدادي، وحمّام النمرة، وحمّام الكبيس، وحمّام اليهودي، وحمّام الشروفي، وغيرها".
ومن جهته قال حيدر صالح الحممجي والده كان صاحب حمام النمرة، " ان حمام النمرة في كربلاء اسسة الحاج علي أكبر الوكيل عام 1910م في منطقة العباسية الغربية بسوق النجارين خلف البريد، ثم استملكه المرحوم الحاج محمد الأطرّقجي، ثم استملكة السيد الوالد المرحوم صالح الحممجي".
وفي نفس السياق، قال فاضل عباس الحمامي صاحب حمام البغدادي، "ان حمام البغدادي من اقدم الحمامات في كربلاء حيث انشأه المرحوم السيد مهدي الجواد البغدادي، إذ سُمّي الحمام نسبةً إلى اسمه بني في محلة العباسية الغربية (ساحة البلوش) بالقرب من شارع الإمام علي (عليه السلام)، ولا يزال يعمل الحمام حتى اليوم، وهناك حمام للرجال واخر للنساء، والحمّام مجازة رسميًا من وزارة الصحة".
كما بين، علي محمد هاشم صاحب حمام الشروفي، "ان حمام السيد سعيد الشروفي يقع في منطقة باب بغداد – شارع فندق الدلة (شارع الوزون)، عام 1920م، ويُعد من الحمّامات القديمة التي رافقت الحياة الاجتماعية في المدينة خلال القرن العشرين، وبعد مرور الزمن حدثت تغييرات وتطورات على الحمام منها أدخلت الدوش (رأس المياه) في العمل في عام 1952م بواسطة السيد حسن الحسيني اللولجي، ما شكّل تطورًا مهمًا في طريقة الاستحمام آنذاك".
واضاف هاشم، "ان الحمام امتاز بوجود حوض ماء داخلي يُعرف باسم “شذوران” في باحته، بالإضافة إلى أيوانات صغيرة ودكّة واسعة، وفي عام 2011م ادرج ضمن التراث الحضاري لكربلاء ومسجّل في دائرة الآثار، كما أن مهنته مرخّصة رسميًا من وزارة الصحة".
واختتم السيد صلاح مهدي الصافي من سكنة منطقة باب الطاق، "ان حمّام اليهودي من الحمّامات القديمة في مدينة كربلاء، ويقع في منطقة العلاوي – عكد اليهود التي كانت تُعرف بزقاقها التاريخي قرب سوق العلاوي، وكان الحمّام مملوكًا في الأصل لـ يهودي يدعى دانيال، استوطن كربلاء في فترة العهد العثماني، وكان يعمل بائعاً للأقمشة في تلك المنطقة، حتى أقدم على بناء هذا الحمّام العمومي". 
واضاف الصافي، "ان تاريخ الجمام يُرجَّح إلى أوائل القرن التاسع عشر الميلادي خلال العهد العثماني، حين كانت هذه المنطقة مأهولة وتستخدم أسماء تتعلق بأصحابها (مثل عكد اليهودي نسبةً إلى صاحب الحمام)، في ستينيات القرن العشرين الميلادي تولّى ادارتة الحاج رضا محمد الخالدي، واستمر الحمّام يستقبل الزبائن حتى نحو عام 1978م".
إن الاهتمام بتوثيق هذه الحمّامات والحفاظ على ما تبقى منها يُعدّ جزءًا من جهود صون التراث والهوية الثقافية للمدينة، لضمان استمرار هذا الإرث للأجيال القادمة، ولإبراز مدى عمق الحياة الاجتماعية والعمرانية في كربلاء القديمة.
موقع كربلاء الاخباري
تحقيق: مهند العامري




