الأخبار والنشاطات

المرأة الكربلائية خلف المقود.. استقلالية متزايدة وتحديات اجتماعية

المرأة الكربلائية خلف المقود.. استقلالية متزايدة وتحديات اجتماعية
تم النشر في 2026/10/23 06:06 360 مشاهدة

لم تعد قيادة المرأة للسيارة في العراق مجرد وسيلة للتنقل، بل أصبحت بالنسبة إلى كثير من النساء ضرورة تفرضها متطلبات العمل ومسؤوليات الأسرة وتفاصيل الحياة اليومية، وفي كربلاء المقدسة.
 ويتزايد حضور المرأة خلف مقود السيارة، وسط مؤشرات على ارتفاع الإقبال على استخراج إجازات السوق، إذ تشير المعلومات التي حصل عليها التقرير من مصادره إلى أن نسبة إقبال النساء على رخصة القيادة في اليوم الواحد تتراوح بين (20 و30) بالمئة. ويعكس هذا الإقبال تحولاً في احتياجات المرأة الكربلائية وأنماط تنقلها، ويفتح باب النقاش حول دوافع هذا التوجه ومدى تقبل المجتمع له، فضلاً عن التحديات الاجتماعية والمرورية التي قد تواجه النساء أثناء القيادة.
وبين من يرى في قيادة المرأة ضرورة لتيسير شؤون الحياة ومن يعدها خطوة نحو تعزيز الاستقلالية والاعتماد على النفس، يبرز تساؤل مهم هل أصبحت قيادة السيارة حاجة يومية للمرأة الكربلائية، أم ما زالت تُصنف لدى بعض أفراد المجتمع ضمن مظاهر الرفاهية؟
وفي هذا السياق، سلّط موقع كربلاء الإخباري الضوء على واقع قيادة المرأة للسيارة في المحافظة، مستطلعاً آراء شريحة واسعة من المجتمع الكربلائي بمختلف فئاته، للوقوف على أبرز إيجابيات هذه الظاهرة وتحدياتها.

قيادة المرأة.. ضرورة تفرضها متطلبات الحياة

لم يعد خروج المرأة بسيارتها الخاصة مقتصراً على التنقل الشخصي، بل بات وسيلة تساعدها على إنجاز مسؤولياتها اليومية، سواء في الوصول إلى العمل أو إيصال الأبناء إلى المدارس  أو مراجعة المؤسسات الصحية، فضلاً عن تلبية متطلبات الأسرة ولا سيما في الأوقات التي يتعذر فيها الاعتماد على الآخرين.

وفي هذا الإطار، قال مدير إعلام مديرية مرور كربلاء المقدسة، العقيد رياض الحمداني، أن "المحافظة تشهد زيادة ملحوظة في استخدام النساء للمركبات الشخصية، مشيراً إلى أن هذا التوجه يمثل جانباً إيجابياً في تعزيز مشاركة المرأة في الحياة اليومية".

و اكد الحمداني إن "المرأة أصبحت حاضرة في العديد من الدوائر الحكومية ومؤسسات القطاع الخاص الأمر الذي يجعل امتلاك وسيلة نقل خاصة عاملاً مساعداً لها في الوصول إلى مكان عملها وإنجاز مسؤولياتها، خصوصاً في ظل الظروف الجوية القاسية صيفاً وشتاءً".
وأضاف، أن "النساء يسهمن أيضاً في إيصال أبنائهن إلى المدارس والجامعات، الأمر الذي يعزز قدرتهن على متابعة شؤون الأسرة، مؤكداً أن قيادة السيارة تمثل حاجة مهمة لشريحة واسعة من النساء، وليست مجرد رفاهية".
وأشار الحمداني إلى، أن "زيادة أعداد المركبات المستخدمة من قبل النساء تستدعي تعزيز التعاون بين جميع مستخدمي الطريق، داعياً السائقين إلى التحلي بالصبر واحترام الآخرين والالتزام بقواعد المرور، بما يسهم في توفير بيئة قيادة آمنة للجميع".

بين التأييد والرفض.. نظرة المجتمع إلى المرأة خلف المقود

وعلى الرغم من تزايد حضور المرأة في شوارع كربلاء، لا تزال نظرة المجتمع تمثل أحد التحديات التي تواجه بعض النساء إذ تتباين الآراء بين من يرى في القيادة حقاً طبيعياً ووسيلة ضرورية للحياة اليومية، ومن يربطها بمخاوف تتعلق بكفاءة القيادة أو طبيعة التقاليد الاجتماعية.

من جانبها، قالت التدريسية في قسم الإعلام بكلية الآداب في جامعة الإمام الصادق (ع)، مدرس مساعد ياسمين هاتف، أن "لجوءها إلى قيادة السيارة لم يكن بدافع الرفاهية بل جاء استجابة لمتطلبات عملها الأكاديمي ومسؤولياتها العائلية".
واوضحت، إن "القيادة أسهمت في إزالة العديد من العقبات أمامها، وسهّلت إنجاز شؤونها اليومية، مبينة أن التحدي الأبرز الذي واجهته تمثل في نظرة المجتمع والأحكام المسبقة تجاه المرأة التي تقود السيارة".
وأعربت عن أملها في أن تتغير هذه النظرة، وأن يدرك المجتمع أن قيادة المرأة وسيلة عملية لتحمل المسؤولية وتسيير شؤون الحياة، وليست مظهراً من مظاهر الترف".

الأمان والاستقلالية.. أبرز دوافع الإقبال على القيادة

من جانبها، بيّنت المحامية عبير أحمد حسوني، أن "المجتمع العراقي يشهد تبايناً في المواقف تجاه قيادة المرأة للسيارة، بين مؤيدين يرون فيها فوائد عملية واجتماعية، ومعترضين يطرحون مخاوف تتعلق بمهارات القيادة والتحديات التي قد تواجه النساء في الطريق".
وأوضحت، أن "المؤيدين يرون في امتلاك المرأة سيارة خاصة وسيلة تمنحها حرية التنقل في الأوقات التي تحتاج إليها، وتساعدها على الوصول إلى الأسواق والمستشفيات وإنجاز متطلبات العمل والأسرة، فضلاً عن تقليل حاجتها إلى الاعتماد على وسائل النقل أو سيارات الأجرة، ولا سيما في الظروف الطارئة".
وأشارت حسوني إلى، أن "بعض المعترضين يستندون إلى مخاوف بشأن قدرة النساء على التعامل مع المواقف المفاجئة أثناء القيادة، فضلاً عن المضايقات التي قد تتعرض لها بعض السائقات من خلال الكلمات المسيئة أو التصرفات المرورية غير المسؤولة".
وأكدت حسوني "تأييدها لتعلم النساء القيادة وامتلاكهن سيارات خاصة، مبينة أن ذلك أصبح جزءاً من متطلبات الحياة والعمل والمنزل، وأن التعامل مع التحديات ينبغي أن يكون من خلال التدريب الجيد، والالتزام بالقانون، واحترام جميع مستخدمي الطريق".
وفي السياق ذاته، أكدت التدريسية في المرحلة الابتدائية آيات منيدح أن "التحدي الأكبر الذي تواجهه المرأة أحياناً لا يرتبط بالقيادة نفسها بقدر ما يتعلق بنظرة المجتمع إليها، وكأنها مطالبة باستمرار بإثبات قدرتها وكفاءتها".
وقالت منيدح، إن "المعيار الحقيقي للحكم على السائق يجب أن يتمثل في الوعي والمهارة والالتزام بقواعد المرور، لا في كون السائق رجلاً أو امرأة".
وأضافت، أن "قيادة المرأة لا ينبغي أن تُفهم على أنها منافسة للرجل بل بوصفها جزءاً من مشاركتها الفاعلة في الحياة اليومية والمهنية، ولا سيما أن المرأة العراقية أثبتت قدرتها على تحمل المسؤولية في مجالات متعددة".
ولفتت إلى، أن "امتلاك المرأة وسيلة نقل خاصة يمنحها مرونة أكبر في تنظيم وقتها ويساعد المرأة العاملة والأم على التوفيق بين مسؤولياتها المهنية والعائلية".

تجربة شخصية.. مسؤوليات الأسرة وراء تعلّم القيادة

أما الإعلامية تمارة سلام العبودي، فأكدت أن "قيادة المرأة للسيارة أصبحت من الأمور التي تعكس قدرتها على الاعتماد على نفسها وتحمل مسؤولياتها اليومية، مشيرة إلى أن القيادة لم تعد مجرد وسيلة للنقل، بل أداة تساعد المرأة على إدارة شؤون حياتها وأسرتها بسهولة أكبر".

وقالت العبودي، "مستعرضة تجربتها الشخصية، إنها لم تواجه صعوبات تُذكر بعد تعلم القيادة، بل وجدت فيها خطوة مهمة وضرورية، خصوصاً في ظل مسؤولياتها تجاه بناتها وأسرتها".

وأضافت أن "الدافع الأساسي وراء تعلمها القيادة كان الحاجة إلى إيصال بناتها إلى المدرسة وإنجاز متطلبات المنزل وقضاء شؤونها اليومية، في ظل طبيعة عمل والدهن في السلك العسكري التي قد تتطلب منها تحمل هذه المسؤوليات بنفسها".

وأشارت إلى أن "نظرة المجتمع تجاه المرأة التي تقود السيارة شهدت تغيراً ملحوظاً، مع تزايد تقبّل فكرة تعلم النساء القيادة وتشجيعهن على الاعتماد على أنفسهن".

التدريب والثقة.. أساس القيادة الآمنة

من جانبه، شدد مدرب السياقة الكابتن أحمد موسى الخفاجي على أن "تعلم قيادة السيارة يحتاج إلى التدريب والممارسة المستمرة، ولا يرتبط بجنس المتدرب، مؤكداً أن المرأة قادرة على إتقان القيادة متى ما حصلت على التدريب الصحيح واكتسبت الثقة بنفسها".

وأوضح الخفاجي أن "الشعور بالخوف في المراحل الأولى من تعلم القيادة أمر طبيعي، لكنه يتراجع تدريجياً مع الممارسة واكتساب الخبرة والتعامل الصحيح مع السيارة والطريق".

وأضاف أن "من أهم الأمور التي ينبغي أن تركز عليها المتدربة الالتزام بقواعد المرور، والانتباه أثناء القيادة، وعدم الاستعجال، والتعامل بهدوء مع المواقف المختلفة، مبيناً أن القيادة الآمنة تعتمد بالدرجة الأولى على الوعي والمسؤولية وحسن التصرف".

ختاماً إن تزايد حضور المرأة خلف مقود السيارة في كربلاء المقدسة يعكس تغيراً في احتياجات الحياة اليومية وتطوراً في أنماط التنقل وتحمل المسؤوليات الأسرية والمهنية، وبين متطلبات العمل والأسرة ورغبة النساء في الاعتماد على أنفسهن، تبقى القيادة وسيلة عملية تسهم في تسهيل الحياة، فالمعيار الحقيقي للقيادة ليس جنس السائق، بل كفاءته والتزامه بالقانون وقدرته على حماية نفسه والآخرين.

وبذلك، لم يعد السؤال الأهم هو ما إذا كانت قيادة المرأة ضرورة أم رفاهية، بل كيف يمكن للمجتمع أن يواكب هذا التغيير بوعي ومسؤولية، بما يضمن حق المرأة في التنقل الآمن، ويعزز ثقافة الاحترام والتعاون في شوارع كربلاء المقدسة.

موقع كربلاء الإخباري 
تقرير / رغدة الدفاعي